تتجه أسعار الإيجارات في دبي نحو استقرار نسبي خلال 2026 في ظل توقعات بتسليم نحو 60 ألف وحدة سكنية خلال العام الجاري، ما يعزز توازن العرض والطلب ويحدُّ من التقلبات الحادة، بحسب صحيفة "الخليج".
وأكَّد وسطاء وخبراء في القطاع العقاري في تصريحات لـ "الخليج"، أن سوق الإيجارات في دبي، يحافظ على تماسكه القوي في 2026، مدعوماً بأساسيات اقتصادية متينة وتدفقات سكانية واستثمارية مستمرة، في وقت تواصل فيه الإمارة ترسيخ موقعها كملاذ آمن بعيداً عن تداعيات التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
وعلى الرغم من تباطؤ وتيرة الارتفاع مقارنة بالعامين الماضيين، فإن السوق يتجه نحو نمو معتدل واستقرار نسبي، مع عوائد إيجارية تنافسية تراوح بين 6% و8%، مدعومة ببيئة تشريعية مرنة ومؤشرات تنظيمية مثل مؤشر الإيجارات الجديد في دبي التي تعزز الشفافية وتربط الأسعار بجودة الأصول.
ويرى الخبراء، أن قوة سوق الإيجارات في دبي تعكس «مؤشراً صحياً» أكثر من كونها حالة تضخم سعري، مؤكدين أن الطلب الحقيقي لا يزال متماسكاً رغم التوترات الإقليمية. وأشاروا إلى أن أي تراجعات محدودة في بعض المناطق ذات المعروض المرتفع تمثل تصحيحاً طبيعياً، مقابل استقرار في المواقع الرئيسية، ولفتوا، إلى تحول جزئي من الشراء إلى الإيجار في فترات الترقب، ما يعزز الطلب ويُبقي السوق في حالة توازن إيجابي.
ويؤكد الوسطاء، أن مرونة الملاك في شروط السداد وزيادة التسهيلات تسهم في الحفاظ على نسب الإشغال دون ضغوط هبوطية فعلية على الأسعار، وبحسب تقديراتهم، فإن السوق لا يمر بمرحلة أزمة، بل بمرحلة نضج وإعادة توازن، مدعومة بثقة المستثمرين، واستمرار النشاط الاقتصادي، ومكانة دبي كبيئة مستقرة وجاذبة لرؤوس الأموال، ما يعزز قدرتها على امتصاص الصدمات قصيرة الأجل والحفاظ على زخمها.
مؤشر صحي
قال إسماعيل الحمادي، المؤسس والرئيس التنفيذي لـ«بيزنت» للاستشارات المتخصصة في استشارات إدارة وتطوير المشاريع العقارية في دبي: أظهر سوق الإيجارات في دبي، تماسكاً قوياً في معظم المناطق السكنية غير مكترث بالتوترات الجيوسياسية في المنطقة، خاصة أن المقيمين في الدولة، متمسكون بالبقاء فيها باعتبارهم جزءاً لا يتجزأ من المجتمع، ومواصلة قطاع الأعمال خدماته دون توقف.
ويضيف الحمادي: إن أسعار الإيجارات قد تتأثر مستقبلاً في بعض المناطق التي تشهد معروضاً كبيراً، ومن المعتقد أنها ستشهد انخفاضاً طفيفاً، كمؤشر صحي للسوق، فيما ستشهد المناطق الرئيسية والمناطق ذات المعروض المحدود استقراراً نسبياً.
وتابع: إن سوق الإيجارات في دبي خلال العام الجاري 2026، لن يسجل نسبة كبيرة في الارتفاعات كتلك المسجلة خلال العامين الماضيين.
وأوضح الحمادي: أن سر قوة تماسك القطاع العقاري في دبي وحفاظه على زخمه المتواصل، هو الثقة الكبيرة لدى المستثمرين والمطورين في القطاع، وهي مبنية على خبرات مكتسبة من أزمات سابقة التي نجح السوق في تجاوزها، إلى جانب قوة الملاءة المالية للمستثمرين وقوة المنظومة التشريعية ومرونتها في الإمارة التي تشمل القطاع الاقتصادي ككل وليس فقط القطاع العقاري، إضافة إلى الاستقرار الاقتصادي والمالي للإمارات بشكل عام، حيث تتمتع باحتياطيات قوية، وسياسات مالية مرنة وعملة مستقرة، فضلاً عن قوة البنية التحتية وتزايد تعداد السكان المتسارع، وعلى ضوء هذه العوامل، فالواقع الحالي للسوق لم يتغير بل بالعكس نلاحظ استمراره في إطلاق المشاريع وتواصل عمليات الشراء الضخمة في المواقع المميزة والمشاريع ذات القيمة العالية.
ويشير الحمادي، إلى أن كل أزمة يجب احتواؤها بطرق ذكية لتعزيز ثقة المتعاملين بها، ونحن واثقون بأن الجهات المعنية ستتدخل كالعادة، عبر محفزات ومبادرات نوعية لتخفيف الضغط على المطورين والملاك والمستأجرين، وقال: «الواقع الحالي الذي يمر به السوق العقاري في دبي ليس واقع أزمة، بل واقع ترسيخ ثقة في ظل التقلبات الراهنة».
طلب شرائي
بدوره، يقول مهند الوادية، الرئيس التنفيذي لشركة «هاربور العقارية»: في ظل التوترات الجيوسياسية الحالية، نلاحظ في دبي نمطاً متكرراً سبق أن شهدناه خلال أوقات الأزمات، حيث يتجه جزء من الطلب من الشراء إلى الإيجار نتيجة التريّث في اتخاذ قرارات الشراء. هذا التحول ينعكس بزيادة الطلب على الوحدات الإيجارية، خاصة مع استمرار النشاط الاقتصادي والحياة اليومية بشكل طبيعي في دبي، ما يعزز الثقة ويُبقي السوق في حالة توازن إيجابي.
ويضيف: من ناحية المؤشر الإيجاري، لا نرى ضغوطاً حقيقية تدفع نحو انخفاض الأسعار، بل يميل السوق إلى الاستقرار، مع احتمالية تباطؤ وتيرة الارتفاع مؤقتاً إلى حين اتضاح الصورة الإقليمية. ما قد نشهده فعلياً ليس انخفاضاً في الأسعار، وإنما مرونة أكبر من قبل الملاك والمطورين، مثل تقديم تسهيلات في الدفعات، زيادة عدد الشيكات، أو تمديد فترات السداد، بهدف الحفاظ على نسب الإشغال واستمرارية الطلب.
أما العوامل التي تدعم صمود السوق، بحسب الوادية، فهي ما زالت قوية جداً، وتشمل النمو السكاني المتسارع، تدفق رؤوس الأموال، البيئة التشريعية الجاذبة، إضافة إلى مكانة دبي كملاذ آمن ومستقر في المنطقة. هذه العوامل تجعل السوق العقاري، وخصوصاً قطاع الإيجارات، أكثر قدرة على امتصاص أي تقلبات قصيرة المدى.
وفيما يتعلق بالمحفزات أو المبادرات المواكبة لمثل هذه التطورات، قال الوادية: «لا أرى ضرورة ملحّة لإجراءات استثنائية حالياً؛ لأن السوق لا يعاني ضعفاً، بل مرحلة إعادة توازن. الأهم هو الاستمرار في ضبط جودة المشاريع، وتسريع عمليات التسليم، وتعزيز الشفافية».
وتابع: «في المحصلة، نحن أمام سوق مستقر مع مرونة تكتيكية في التعامل مع المرحلة، وليس أمام تصحيح سعري فعلي، ونحن في انتظار تجاوز هذه الظروف واستئناف وتيرة النمو بشكل أقوى».
ملاذ آمن
يقول وليد الزرعوني، رئيس مجلس إدارة شركة «دبليو كابيتال» للوساطة العقارية: شهد سوق الإيجارات في دبي عام 2025 تحولاً إيجابياً نحو مرحلة أكثر توازناً واستدامة، مدعوماً بتطبيق مؤشر الإيجارات الذكي الذي أسهم في رفع مستوى الشفافية وربط الزيادات بأسس واقعية تعكس طبيعة السوق. وعلى الرغم من التوترات الجيوسياسية في المنطقة؛ واصل السوق أداءه القوي مستفيداً من مكانة دبي كملاذ آمن ومستقر للاستثمار والسكن، ومن المتوقع خلال عام 2026 أن تستمر الإيجارات في الارتفاع بوتيرة معتدلة، في مؤشر صحي يعكس استمرارية الطلب وقوة الأساسيات، خاصة في ظل الحاجة المتزايدة للوحدات السكنية ضمن الفئات المتوسطة والمواقع الحيوية.
وأضاف: تستند جاذبية القطاع العقاري في دبي إلى مجموعة من المقومات الراسخة، تشمل اقتصاداً متنوعاً ونمواً مستقراً، إضافة إلى بيئة تشريعية مرنة تدعم التملك الأجنبي وتوفر خيارات إقامة طويلة الأمد، كما تلعب البنية التحتية المتطورة والموقع الاستراتيجي دوراً محورياً في تعزيز مكانة الإمارة مركزاً عالمياً للأعمال والسياحة، ويعكس الواقع الحالي نضجاً متزايداً في السوق، حيث أصبح المستثمرون أكثر توجهاً نحو الجودة والمشاريع ذات القيمة الحقيقية، ما يسهم في ترسيخ الاستدامة وتقليل التقلبات، دون أن يؤثر ذلك في جاذبية السوق أو نشاطه.
وفي ما يتعلق بالمحفزات، أكد الزرعوني أن السوق لا يحتاج إلى تدخلات تقليدية بقدر ما يستفيد من مبادرات نوعية تركز على زيادة المعروض السكني المتوسط، وتسهيل إجراءات التمويل والتسجيل، وتحسين كفاءة العمليات. كما أن تعزيز التوازن بين العرض والطلب ورفع مستوى الشفافية؛ يظلان من أبرز الأولويات في المرحلة الحالية، بما يضمن استمرار النمو الإيجابي. وتؤكد المؤشرات أن دبي ستبقى وجهة مفضلة للاستثمار العقاري، بفضل عوائدها المجزية وبيئتها الآمنة، ما يعزز ثقة المستثمرين، ويكرّس لاستدامة الزخم في السوق، وسيتحسن وضع السوق أكثر مع هدوء التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
مرونة واضحة
قال مهند كحيل، المستشار والخبير العقاري: في ظل التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، يواصل القطاع العقاري في دبي إظهار مرونة واضحة، ومن المتوقع أن تتجه الأسعار نحو نمو معتدل مع ميل للاستقرار النسبي، وليس ارتفاعاً حاداً. ويعود ذلك إلى استمرار الطلب القوي من جهة، مقابل دخول معروض سكني جديد من جهة أخرى.
وأضاف: في عام 2025؛ تم تسليم 44 ألف وحدة سكنية تقريباً. ومن المتوقع إمكانية تسليم نحو 60 ألف وحدة سكنية أخرى في 2026، ما يخلق حالة من التوازن ويحد من التقلبات الكبيرة.
وعن تأثير تسليمات الوحدات السكنية على الإيجارات؛ قال كحيل: إن ذلك يؤدي إلى تباطؤ في ارتفاع الإيجارات، حيث زيادة المعروض تؤدي إلى تخفيف الضغط على الإيجارات، إضافة إلى انخفاض في مناطق محددة، وخاصة المناطق التي تشهد كثافة تسليم عالية، مثل «قرية جميرا الدائرية» (JVC)، و«دبي الجنوب»، و«أرجان»، حيث قد تشهد ضغوطاً انخفاضية على الإيجارات نتيجة لفائض المعروض. وكذلك، حدوث تغير في ميزان القوى، حيث يكتسب المستأجرون قوة تفاوضية أكبر نتيجة توفر خيارات سكنية، أما عن تأثيرها في نمو القطاع العقاري، فسيخلق نضجاً وموازنة السوق، مع استمرار الطلب نتيجة للنمو السكاني المستمر في دبي.
مسار صعودي
قال د. نور الدين رضا السروجي، الخبير العقاري: لا يزال مؤشر ومتوسط الإيجارات في دبي يتحركان ضمن مسار صعودي مدروس أكثر من كونه صعوداً عشوائياً، حتى في ظل التوترات الجيوسياسية الحالية.
وعزا السروجي ذلك الصعود، إلى أن سوق دبي العقاري لا يستند فقط إلى المزاج الاستثماري، بل إلى بنية تنظيمية متقدمة وطلب حقيقي ومستدام على السكن والعمل والاستثمار. حيث أظهرت بيانات دائرة الأراضي والأملاك في دبي، أن عدد عقود الإيجار المسجلة في 2025، بلغ 1.38 مليون عقد، بنمو 6%، بقيمة 34.4 مليار دولار (126.4 مليار درهم)، وبنمو 17%، وهو ما يعكس عمق السوق وقوة الطلب التشغيلي الحقيقي، وليس مجرد مضاربات قصيرة الأجل».