تشهد سوق العقارات في دبي تحولاً هيكلياً واضحاً من نموذج قائم على المضاربة كما كان الحال في ذروة عام 2014، إلى مرحلة جديدة يقودها الاستثمار الاستراتيجي طويل الأمد في عام 2026، مدعوماً بتعزيز الأطر التنظيمية، وارتفاع مستوى الشفافية، وتزايد مشاركة رأس المال المنضبط.
ووفقاً لبيانات صادرة عن شركة الاستشارات العقارية «VVS Estate» ومقرها دبي، فإن رأس المال الاستراتيجي بات يقود نحو 40% من سوق العقارات في دبي، استناداً إلى بيانات الشركة التي تشمل رؤى العملاء، واتجاهات المبيعات، وتحليلات السوق، وهو ما يعيد تشكيل آليات تقييم المخاطر والسيولة والقيمة طويلة الأجل.
وقالت فالنتينا روسو، المؤسسة لشركة VVS Estate: «غالباً ما توصف الدورات العقارية بالتقلب والزخم، لكن ما تشهده دبي حالياً هو تحول ذو طبيعة هيكلية، مدفوع بعمق تنظيمي أكبر، وشفافية محسّنة، ومشاركة رأسمالية أكثر انضباطاً».
ويعزز هذا الاتجاه ما ورد في تقرير سوق دبي السكني 2025 الصادر عن «Savills» الشرق الأوسط، والذي أظهر تغيراً ملحوظاً في تركيبة الصفقات، حيث ارتفعت نسبة المعاملات السكنية التي تتجاوز قيمتها 5 ملايين درهم (1.36 مليون دولار) إلى 9%، بما يعكس استمرار الطلب على الأصول السكنية عالية القيمة.
وترى VVS Estate أن النمو في الشريحة العليا من السوق يشير عادة إلى توظيف استراتيجي لرأس المال، وليس إلى نشاط مضاربي قصير الأجل، ما يعزز انتقال السوق إلى سلوك استثماري طويل الأمد.
وتدعم بيانات تدفقات رأس المال هذا التحول. فبحسب «JLL»، يواصل النشاط المدفوع من المستثمرين هيمنته على القطاع السكني في دبي. ويُظهر تقرير مراجعة وتوقعات أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا 2025 أن معاملات البيع على المخطط – التي تُعد مؤشراً على تخصيص رأس المال الاستراتيجي – تمثل أكثر من 60% من إجمالي قيمة الصفقات السكنية، بما يعادل نحو 223 مليار درهم (60.72 مليار دولار).
ويشير الجمع بين بيانات التسعير الصادرة عن «Savills» وتحليل تدفقات رأس المال من «JLL» إلى أن السوق باتت تتشكل بشكل متزايد عبر قرارات تخصيص مدروسة، بدلاً من مشاركة مدفوعة بالزخم.
كما تُظهر بيانات «Property Finder» أن الوحدات الفاخرة والعقارات ذات العلامات السكنية المميزة تمثل حصة متنامية من إجمالي الصفقات، ومع ارتفاع نسبة المعاملات التي تتجاوز 2,500 درهم (681 دولاراً) للقدم المربعة، ارتفعت المتوسطات السعرية على مستوى الإمارة.
وقالت روسو: «هذا ليس تضخماً، بل يعكس تحولاً في هيكل الشرائح. فمقارنة السوق اليوم بعام 2014 من دون الأخذ في الاعتبار مزيج المنتجات تُبسط التحليل بشكل مفرط».
وكانت دبي قد بلغت ذروتها السابقة في سبتمبر 2014، وبعد مرور عقد، لم تكتفِ الأسعار بالتعافي، بل تجاوزت تلك المستويات.
ووفقاً لمؤشر الأسعار الديناميكي الصادر عن «Property Monitor»، بلغ متوسط أسعار الشقق نحو 1,484 درهماً (404 دولارات) للقدم المربعة في مطلع 2025، أي أعلى بأكثر من 20% من ذروة 2014، قبل أن يتجاوز 1,600 درهم (436 دولاراً) للقدم المربعة بحلول منتصف العام ذاته.
إلا أن VVS Estate تؤكد أن تعافي الأسعار وحده لا يعكس جودة السوق. وأوضحت روسو: «في 2014 كان النمو مدفوعاً بالزخم إلى حد كبير، أما اليوم فيستند الأداء إلى تعزيز الأطر التنظيمية، والانضباط في حسابات الضمان، وتوحيد إجراءات التسجيل، وتحسن الشفافية في التنفيذ. الفارق جوهري وهيكلي».
ومن أبرز التغيرات منذ الدورة السابقة تعزيز الأطر التنظيمية تحت إشراف دائرة الأراضي والأملاك في دبي، حيث بات تسجيل العقود يتم ضمن جداول زمنية محددة عبر أنظمة مركزية، فيما تخضع حسابات الضمان لآليات صرف قائمة على مراحل الإنجاز المتوافقة مع تقدم أعمال البناء، ما يقلص بدرجة كبيرة عدم اليقين الإجرائي ومخاطر التنفيذ.
وقالت روسو: «هذا العمق التنظيمي أعاد تشكيل ملف المخاطر في دبي بشكل ملموس، وعزز جاذبيتها لرأس المال المؤسسي والاستثمارات طويلة الأجل».
كما تُظهر بيانات «DXB Interact» استمرار السيولة في السوق الثانوية داخل المجتمعات الرئيسة، حتى عند مستويات سعرية مرتفعة، وهي سمة ترتبط عادة بالأسواق العقارية الناضجة.
ويعكس سلوك المستثمرين بشكل متزايد نهجاً منضبطاً في تخصيص رأس المال، مع تركيز المشترين على صافي العوائد بعد رسوم الخدمات، ومقارنات إعادة البيع، وتركيز المعروض المستقبلي، ومدى التزام المطورين بالتسليم.
وختمت روسو بالقول: «الأسواق المضاربية تعتمد على حماسة الدخول، أما الأسواق المنظمة فتعتمد على عمق التخارج».
وبحسب VVS Estate، فإن التحول الأبرز في سوق دبي العقاري حالياً هو تحول سلوكي أكثر منه سعرياً، إذ ينتقل المشاركون من دخول مدفوع بالحماسة إلى قرارات قائمة على تخصيص استراتيجي لرأس المال.
وبات يُنظر إلى دبي بشكل متزايد باعتبارها بيئة رأسمالية منظمة، تتميز بوضوح تنظيمي، وعمق في السيولة، ومكانة عالمية، وليس مجرد سوق نمو مرتفع، وهو تحول قد يبدو هادئاً، لكنه يعزز استدامة السوق على المدى الطويل.