توقعت وكالة التصنيف الائتماني موديز Moody’s أن يؤدي الارتفاع المرتقب في المعروض السكني إلى الحد من وتيرة ارتفاع الأسعار في سوق العقارات بدولة الإمارات خلال الفترة الممتدة بين 12 و18 شهراً المقبلة، بعد نحو خمس سنوات من النمو القوي والمتواصل.
وأوضحت الوكالة في تقريها الذي نشرته صحيفة "ذا ناشيونال" أن دخول كميات كبيرة من الوحدات الجديدة إلى السوق، لا سيما في دبي، سيضغط تدريجياً على مستويات الأسعار ومعدلات نمو مبيعات شركات التطوير العقاري في دبي، دون أن يشير ذلك إلى تراجع حاد في السوق.
وقالت ليزا ييغر، نائب الرئيس وكبير المحللين لدى «موديز»، إن الوكالة تتوقع «تهدئة معتدلة في أسعار العقارات في دبي ومبيعات المطورين خلال الـ12 إلى 18 شهراً المقبلة مع دخول معروض جديد إلى السوق، إلا أن الأساسيات تظل قوية ومدعومة بالنمو السكاني واستمرار تدفقات أصحاب الثروات المرتفعة».
180 ألف وحدة جديدة بين 2026 و2028
أشارت «موديز» إلى أن المطورين استفادوا منذ عام 2021 من ارتفاع الأسعار لتسويق عدد متزايد من الوحدات المباعة على الخارطة، مع جداول تسليم تمتد لعدة سنوات، وهو ما سيقود إلى طفرة في عمليات التسليم خلال الفترة بين 2026 و2028، خصوصاً في دبي.
تشير التقديرات إلى إنجاز نحو 180 ألف وحدة سكنية جديدة في دبي خلال هذه الفترة، أي بمعدل يقارب 60 ألف وحدة سنوياً، مقارنة بمتوسط تاريخي يتراوح بين 30 و40 ألف وحدة سنوياً خلال السنوات الـ 5 الماضية.
ورغم أن استمرار النمو السكاني قد يستوعب جزءاً كبيراً من هذا المعروض، فإن الوكالة ترى أن هذه الزيادة ستبطئ وتيرة مكاسب الأسعار بشكل عام.
ورجحت «موديز» احتمال تسجيل تراجعات سعرية طفيفة في شريحة الشقق، لا سيما ضمن الفئات المتوسطة الأقل سعراً مثل وحدات الاستوديو وغرفة النوم الواحدة، حيث يظل المعروض مرتفعاً.
كما توقعت أن يدفع التباطؤ المرتقب المطورين إلى تقليص وتيرة إطلاق المشاريع الجديدة، ما قد يؤدي إلى انخفاض قيم المبيعات الجديدة خلال الفترة المقبلة، مع احتمال استمرار هذا الاتجاه لعدة سنوات.
خمس سنوات من النمو العقاري القوي
يأتي هذا التقييم بعد فترة من الأداء الاستثنائي للسوق العقاري في الإمارات، والذي حافظ على زخم قوي منذ تعافيه من تداعيات جائحة كوفيد-19.
وساهمت الإصلاحات الحكومية، بما في ذلك برامج الإقامة طويلة الأمد، والإقامة الذهبية لمدة 10 سنوات، واستقطاب المتقاعدين والعاملين عن بُعد، في دعم الطلب العقاري وتعزيز جاذبية الدولة للمستثمرين والمقيمين.
كما لعب النمو السكاني وتدفقات الأفراد ذوي الملاءة المالية المرتفعة دوراً محورياً في دعم الأسعار والإيجارات، خاصة في الشريحة الفاخرة.
أرقام قياسية في دبي وأبوظبي
أظهرت بيانات دائرة الأراضي والأملاك في دبي أن عدد التصرفات العقارية ارتفع بأكثر من 20% على أساس سنوي ليصل إلى 270 ألف تصرف خلال 2025، فيما صعدت القيمة الإجمالية للتصرفات بنسبة 20% لتبلغ 250 مليار دولار ) 917 مليار درهم (، مسجلة أفضل أداء سنوي في تاريخ السوق.
كما دخل نحو 130 ألف مستثمر جديد إلى السوق خلال العام نفسه.
وفي أبوظبي، ارتفعت قيمة التصرفات العقارية خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي بنسبة 43.3% على أساس سنوي لتصل إلى 25.6 مليار دولار (94 مليار درهم)، فيما زاد عدد المعاملات بنسبة 48% ليبلغ 29,400 معاملة، وفق بيانات مركز أبوظبي العقاري.
متانة مالية لدى كبار المطورين
أكدت «موديز» أن كبار شركات التطوير العقاري يتمتعون بمرونة مالية قوية تمكّنهم من امتصاص أي تباطؤ معتدل، مشيرة إلى أن جودة الجدارة الائتمانية للشركات المصنفة ستظل مستقرة.
ويستند ذلك إلى قوة التدفقات النقدية، وارتفاع رصيد المبيعات المتراكمة، وهيكل دفعات مقدّم، إضافة إلى ميزانيات عمومية متينة.
كما توقعت الوكالة أن تتجاوز التدفقات النقدية المتوقعة خلال العامين إلى ثلاثة أعوام المقبلة فرص إعادة الاستثمار المحلية، ما قد يدفع الشركات إلى تنويع استثماراتها جغرافياً والتوسع في قطاعات غير أساسية.
إلا أنها حذرت من أن استمرار سحب السيولة من الشركات التشغيلية المحلية قد يؤدي تدريجياً إلى إضعافها، فيما تظل الشركات الصغيرة أكثر عرضة لمخاطر التمويل والتنفيذ.
أكدت «موديز» أن عدداً من كبار شركات التطوير العقاري في الإمارات يتمتعون بقدرة قوية على التعامل مع انخفاض الأسعار وتراجع أحجام المبيعات الجديدة. ويشمل ذلك الدار العقارية (Baa2، مستقر)، و أراد (B1، مستقر)، و بن غاطي (Ba3، نظرة مستقرة)، و شركة داماك (Ba1، نظرة مستقرة)، و إعمار العقارية (Baa1، نظرة مستقرة)، و شوبا (Ba2، نظرة مستقرة)إذ تستفيد هذه الشركات من أرصدة إيرادات قوية تدعم مستويات مرتفعة من الأرباح والتدفقات النقدية، عادةً لمدة عامين إلى ثلاثة أعوام مقبلة، وذلك بحسب ما نشرته صحيفة الخليج عن تقرير الوكالة.
ونقلت "الخليج" عن التقرير أن المؤشرات الائتمانية تحسنت بشكل لافت، إذ انخفض متوسط الرافعة المالية المعدلة لدى الشركات الست المصنّفة إلى 1.3 مرة في سبتمبر 2025، مقارنة بـ 4.8 مرة في عام 2020، مع توقعات بانخفاضها إلى ما دون 1.0 مرات بحلول عام 2026.
انكشاف محدود للبنوك على القطاع
أشارت «موديز» إلى أن الإجراءات التنظيمية التي طُبقت خلال دورات السوق السابقة ساهمت في تقليص انكشاف البنوك على قطاعي الإنشاءات والعقارات، ما يعزز جودة أصولها في حال حدوث تصحيح في السوق.
وأكدت الوكالة أن البنوك تتمتع بمستويات قوية من الملاءة والسيولة، إضافة إلى انخفاض نسب القروض المتعثرة، ما يمكنها من استيعاب أثر أي تباطؤ محتمل.
كما نجح المطورون منذ 2023 في تنويع مصادر التمويل، من خلال إصدار صكوك وسندات وأدوات دين هجينة بقيمة تقارب 12 مليار دولار، إلى جانب الاعتماد على أقساط البيع على الخارطة، والشراكات مع ملاك الأراضي، ومساهمات حقوق الملكية من أطراف ثالثة.
وأوضحت «موديز» أن تراجع أسعار الفائدة وضعف الدولار يسهمان في إعادة تشكيل ديناميكيات السوق العقاري والقطاع المصرفي، إذ تعزز الفوائد المنخفضة القدرة على تحمل تكاليف الرهن العقاري، لكنها تضغط في المقابل على هوامش أرباح البنوك من التمويل العقاري.